الأحد، 15 مارس 2015

ضفدع جوانغ زي

   

      طلبت المعلمة اليابانية هيرو يامادا من طلابها الصغار، الذين لا تتجاوز أعمارهم ١٥ عاماً، في مدينة ناجانو أن يبحثوا أسبوعياً عن مقولة شهيرة لأحد الفلاسفة القدماء للقيام بتحليلها وتشريحها ونقدها. كان أداء الطلاب مذهلاً رغم جسامة المهمة. كانوا يتنافسون فيما بينهم بحماسة على تحطيم العديد من المقولات الشهيرة بحجج وبراهين مثيرة. أشعلوا الفصل نقاشاً وسجالاً فكرياً. نجاح فكرة المعلمة يامادا جعلها تنتقل من فصل إلى آخر، من مدرسة إلى آخرى حتى عمت أنحاء البلاد. الطالبة تابايمو بدورها تصدت للفكرة على نحو مختلف. أختارت مقولة وردت عليها رسماً وليس كتابة وارتجالاً كالآخرين. احتجت على مقولة، ذائعة الصيت، للفيلسوف الصيني، جوانغ زي، عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، يقول فيها: (الضفدع، الذي في البئر لا يعرف شيئاً عن المحيط). رسمت تابايمو عدة لوحات تشرح فيها أن الضفدع في البئر يرى ما يدور في المحيط خلاف مايزعمه جوانغ زي. الأولى لضفدع في بئر يحدق في السماء. الثانية لسماء تحولت لمرآة. الثالثة لمرآة تعكس للضفدع ماذا يجري في المحيط. والأخيرة كانت للضفدع وهو يراقب المرآة كأنه يشاهد فيلماً، مستلقياً على ظهره وهو يتابع مايجري في المحيط بدقة ووضوح ومتعة. نالت تابايمو إثر هذه اللوحات الأربع تصفيقاً من زملائها وتقديراً كبيراً من معلمتها يامادا ومدرستها. أصبحت تابايمو أشهر طالبة في مدرستها وربما في مدينتها رغم أنها لم تكمل الخامسة عشر حينها. فقد كان يضرب بها المثل في خيالها الواسع ومهارتها في الرسم. التشجيع الذي وجدته تابايمو مبكراً جعلها تنصرف عن دراسة الأحياء. رأت أن الفن هو مكانها ومستقبلها.

     تخصصت في الفن و التصميم في جامعة كيوتو. وركزت على الرسوم المتحركة. قدمت أعمالاً مميزة جعلتها لا تستقر في اليابان أكثر من أسبوع واحد متواصل. فمن الصين إلى الفلبين، ومن هنغاريا إلى بلغاريا. شاركت في سبعة معارض في أمريكا، وخمسة في المملكة المتحدة، وأربعة في إسبانيا. وكرمها وطنها بتمثيله رسمياً في بينالي البندقية 54 في إيطاليا الذي انطلق في الرابع من يونيو 2011. ولم تجد تابايمو عملاً أكثر قرباً إليها من (ضفدع جوانغ زي) لتقديمه من خلال البينالي، الذي يقصده ملايين المتذوقين للفنون المعاصرة. وقد حولت تابايمو اللوحات التي رسمتها مبكراً ونالت استحسان زملائها ومعلمتها يامادا إلى فيلم رسوم متحركة بمؤثرات صوتية وتقنيات متعددة جعلته يحوز على إعجاب جمهور البينالي الذي تدفق على الجناح الياباني وحداناً وزرافات.

     وظهرت الفنانة الشابة تابايمو (36 عاماً ) في البينالي الذي يبلغ عمره نحو 116 عاماً بفستان بسيط تعلوه صورة معلمتها هيرو يامادا التي شجعتها مبكراً على إطلاق العنان لخيالها مما جعلها تصل لما وصلت إليه اليوم من نجاح وشهرة كبيرين. الإعلام الياباني والإيطالي و العالمي الذي كان يغطي البينالي لم يسلط الضوء على تابايمو وضفدعها فحسب، بل تطرق إلى يامادا في تصريحاته الصحفية إلى أنها سعيدة جداً أن فكرتها الصغيره بتشجيع الطلبة الصغار على نقد آراء الفلاسفة و العلماء مازالت تحصد النجاح. 

     يامادا واجهت مبكراً الكثير من التحفظات من زملائها تجاه فكرتها المبكرة. لكن واصلت مشروعها بثقة. إن علينا أن ندرك أن الأفكار الجميلة هي التي لم يسبقنا إليها أحد. وأن أجملها على الإطلاق هي التي تجد مناهضة ومعارضة في البداية. فالمرء عدو مايجهل. إن النجاح الذي حققته تابايمو لا يعكس موهبتها فقط، وإنما يعكس البيئة المحفزة التي نشأت فيها و شجعتها وأقرانها على عدم إعادة تدوير المقولات و الأمثلة والأفكار التي كانت تتردد في سالف العصر و الزمان بل بختراع صيغ جديدة تثير الدهشة و الأسئلة معاً. وتؤكد أن الأجيال الحالية قادرة على مقارعة الأوائل بل و التفوق عليهم. فلا غرابة أن نشاهد اليابان اليوم في صدارة الدول المنتجة و المتفوقة التي تنجب مئات العلماء و المبدعين الجدد الذين يحصدون جوائز و إعجاباً في كافة المجالات و الفنون ابتداء بنوبل وليس انتهاء ببينالي البندقية.

     تقديس شخصياتنا وتراثنا وعدم استيعاب الآراء الجديدة جعلنا ندفع ثمناً باهظاً. باهظ جداً. حرمنا من التقدم و التعلم وجعلنا أسرى للألم. فكم من فكرة وئدت في مهدها. إن أعظم فكرة ..... هي الفكرة غير التقليدية.

من كتاب 7:46م / عبدالله المغلوث

السبت، 14 مارس 2015

الانتقام الخلاق


     اشتهر، رالف ليبزشيتز، في المرحلة الثانوية بسبب ربطات العنق التي يبيعها لرفاقه في المدرسة. كان يعرض عليهم ربطات عنق غير مألوفة. تمتلئ بصور مشاهير وشخصيات كارتونية وحروف ضخمة. يشتريها من الباعة الجائلين و الأسواق الرخيصة ويبيعها بأسعار مضاعفة على زملائه. نجح في مدرسته، دي ويت كلينتون، من تعزيز رصيده المعرفي و المالي. كان رالف يعود إلى منزله مالئاً رأسه بالمعلومات و جيبه بالنقود. لكن رغم كل ذلك كان تعيساً. ربما أتعس طالب في المدرسة. فاسم عائلته كان مصدراً لتهكم بعض زملائه. فهو يشتمل على مفردة (شيت)، وهي لفظة بذيئة في اللغة الانجليزية. حاولت إدارة المدرسة معاقبة من يسخر منه إثر اسم عائلته، لكنها لم تستطع إيقافهم تماماً. كان بعضهم يتحايل على تهديدها بكتابة رسائل ساخرة ويضعها في حقيبته، أو يرددها عندما يدير ظهره لهم. رغم الحزن الذي عاشه طيلة المرحلة الثانوية إلا أن الأسوأ كان في حفل تخرجه. فعندما وزعت إدارة المدرسة (كتاب المدرسة)، الذي يحمل صور طلاب الثانوية وأمنياتهم، ترك الجميع الأمنيات و الصور في الكتاب وتحلقوا حول أمنية رالف، التي تكمن في أن يصبح مليونيراً. أمطروه بوابل من التهكم والسخرية اللاذعة بسبب عبارته الحالمة مما دعاه لعدم إكمال الحفل و العودك حانقاً وخائباً إلى منزله.

     التحق رالف بعد تخرجه في الثانوية بكلية باروك لدراسة إدارة الأعمال و غير اسم عائلته إلى لورين تجنباً لجولة جديدة من السخرية، لكنه لم يتابع دراسته. آثر أن يعمل مندوباً للمبيعات في شركة بوركس بروذرس لاكتساب خبرة تساعده على افتتاح متجر مستقل. بعد عدة سنوات تحديداً في عام 1967 افتتح رالف لورين، بدعم من مصانع مانهاتن للملابس، متجراً خاصاً لبيع أربطة عنق من تصميمه باسم (بولو). وحقق متجره نجاحاً كبيراً شجعه على التوسع و الدخول في تصميم القمصان و السترات والسراويل و الإكسسورات. وخلال سنوات قليلة أصبح أسم (رالف لورين) علامة تجارية معروفة ليس في أميركا فحسب بل في العالم بأسره. وفي سبتمبر 2011 قدرت مجلة (فوربز) ثروته بنحو 6 مليارات كأحد أثرياء العالم.

     النجاح الذي حققه رالف لم ينسه رفاقه في المدرسة الذين تهكموا عليه وعلى أمنياته مبكراً. لقد قام في عام 1996 بعد أن بلغت شهرته الآفاق بإحضار (كتاب مدرسته) عام 1957 الذي يضم أسماء رفاقه في المدرسة وصورهم وطلب من سكرتيرته محاولة البحث عمن وضع تحت اسمه خطاً. بعد أشهر من البحث و التقصي وجدت عناوين منازل معظمهم واتصلت بهم للتحقق من ذلك. أرسل رالف لكل واحد منهم مجموعة من منتجاته الفاخرة وبرفقتها رسالة بخط يده ونصها: (ربما تذكرني وعلى الارجح لا. لكن أنا أذكرك جيداً. أنت وراء نجاحي. شكراً لك. رالف ليبزشيتز سابقاً، رالف لورين حالياً). كان رالف يدرك أن تهكم زملائه زاده إصراراً على مواصلة طموحه والوصول إلى مبتغاه. كان يرى وجوههم وهم يخسرون منه كلما تعثر فينهض. لم يكن ذلك الطرد البريدي الأخير الذي أرسله رالف لزملاء فصله السابقين بل كان الأول. لقد حرص منذ أن عثر على عناوينهم أن يبعث لهم أي تشكيلة جديدة.

     إن رالف لم يدع كلامات التهكم تحطمه بل تدفعه إلى الأمام. كما أنه لم ينس من أساؤوا إليه، وإنما وجه إليهم درساً بتسامحه وعفوه وقبل ذلك استثماره لتهكمهم لقيادته إلى النجاح. أوصل إليهم رسالة ذكية وحضارية بأنه ما زال يتذكر سخريتهم جيداً، بيد أن هذه السخرية لم تكبح جماح طموحه بل ساهمت في صعوده.

     جميل أن نُشعر من أساء إلينا بحجم خطئه حتى لا يكرره معنا ومع غيرنا.

     أغلبنا مر أو مرت عليه قصص مشابهة. تعرض أو سمع عن قصص تهكم لا حصر لها. يروي لي صديقي القادم من إحدى القرى النائية قي الوطن العربي للدراسة في أميركا أن أحد أبناء جلدته، الذي التقاه فور وصوله في مطار شيكاجو سخر منه عندما أبدى له رغبته في متابعة دراسة الدكتوراه في جامعة شيكاجو، إحدى أعرق الجامعات حول العالم. ونصحه بعدم إهدار سنوات عمره في حلم لن يتحقق، قائلاً: (أنصحك، أن تدرس لغة إنجليزية ثم تعود لأهلك وتبحث عن وظيفة). هذا ما قاله أمامه. ولا نعلم ماذا كان يبطن في جوفه. صديقي اليوم لم يتخرج من شيكاجو ولكن تخرج من جامعة لا تقل عنها عراقة وأهمية وربما تتجاوزها في بعض التخصصات وهي جامعة (إم آي تي)، التي تخرج منها أهم العلماء المعاصرين والسابقين. صديقي يتمنى لو أنه حصل على اسم مواطنه الذي أوصد الأبواب في وجه حلمه قي مطار شيكاجو ليخبره بنا وصل إليه اليوم.

     علينا ألا نقلل من حلم أي إنسان مهما كان. فمن نراه شخصاً بسيطاً اليوم ربما يكون شخصاً مدهشاً وبديعاً في الغد. النجاح ليس أن تحقق النجاح، بل أن تستمر فيه وتحافظ عليه. فطالما كانت تسحرنا أسماء مبكراً، في حين نراها باهتة ومرتبكة اليوم. وما كان يعد نجاحاً في الماضي ربما سيعتبر تقليدياً في المستقبل. كل مرحلة لها نجومها ومواصفاتها ومعاييرها.

     ينبغي ألا نسمح لانطباعاتنا السريعة أن تقودنا لإفشاء أو حتى إبطان أي تنبؤ سلبي تجاه أي أحد. من الحكمة أن ننفق أوقاتنا في تطوير قدراتنا وتنمية ذواتنا. من ينشغل بالآخرين والتوقعات فلن يجد وقتاً للإنجازات.



من كتاب : ٧:٤٦ / عبدالله المغلوث

أسعد رجل في الرياض

     في عام 1987 تعرض الشاب أسعد بن محمد الدايل إلى حادث مروري مروع في الرياض وهو في طريقه إلى رفع الأذان منادياً لصلاة الفجر. أدى هذا الحادث إلى دخول المؤذن الشاب في غيبوبة طويلة جداً لم يعتقد أكثر المتفائلين أنه سيخرج منها حيًّا. لكن الله سبحانه وتعالى كان كريماً. كتب له عمراً جديداً. أفاق أسعد من الغيبوبة لكن استيقظت في جسده آلام ما زال يعاني منها حتى اللحظة. تعرض إلى شلل نصفي ومضاعفات وأمراض جعلته أسيراً للوجع المزمن.

     رغم كل الأنباء الحزينة التي هطلت على أسعد إلا أن ولادة ابنه عثمان في نفس الفترة التي تعرض فيها إلى الحادث خففت حدة ألامه و أعطته مساحة كبيرة للأمل، كان كلما شاهد ابتسامة ابنه الصغير عندما تضعه أمه بجواره على فراشه يشعر برغبة جامحة للخروج من المستشفى الذي رقد فيه عدة أشهر.

     كان عثمان الدافع الأول بعد الله سبحانه و تعالى تحسن حالته و قدرته على التحرر من السرير. خرج أسعد أخيراً على كرسي متحرك وحاول أن يستأنف دراسته في جامعة الإمام محمد بن سعود لكن ظروفه الصحية المعقدة ومرافق الجامعة غير المهيأة لاستقباله، وقتئذ، حالتا دون معانقته لحلمه الذي لم يتبق على وصوله إليه كثير.

    أستمد أسعد الكثير من الإصرار من زوجته الطبيبة التي آثرت أن تسخر حياتها لخدمة زوجها المنكوب، كان هذا الوفاء ضوءًا ينير طريقه المظلم وغير المعبد.

     أم عثمان كانت زوجة و طبيبة و ممرضه له في نفس الوقت ساهمت بشكل كبير في خروجه من الأزمة النفسية التي حاصرته خلال سنواته الأولى بعد الحادث.

      عاد أسعد إلى حياته الطبيعية رويدًا رويدًا حصل على وظيفة ضخ فيها الكثير من طاقته وأفكاره و حيويته. ظل يحلم ويمضي غير مكترث بالعوائق و الصعاب و التحديات التي تكتنف مسيرته. كان عثمان و أمه خير داعمين له للاستمرار في الأمل و العمل.

     لكن في وسط الأحلام تعرض أسعد إلى نكبة جديدة تتمثل في غرق ابنه الوحيد ووفاته في البحر أثناء إجازة صيفية على ساحل الخليج العربي.

     توفي ابنه وفلذة كبده الذي قد لا ينجب غيره فأحس بألم شديد هذه المرة ابتلع كل ما تبقى من أحلامه.

     الألم لم يجتح أسعد وحده بل كل أقاربه وعلى رأسهم زوجته و أم ابنهما الوحيد (عثمان)، اعتقد الجميع أن وفاة عثمان هي نهاية أسعد.

     لكنه كعادته استيقظ كطائر النورس من ركام الأحزان ليواصل ما بدأه من حلم و أمل.

     افتتح غير مشروع تجاري. وساهم في أكثر من مشروع خيري بكل ما أوتي من قوة وحماسة كأنه لم يتألم قط، ولم يعان أبداً رغم أنه يتجرع الألم و المعاناة يوميًا دون أن يقنط من رحمة الله.

     يقوم أسعد في رمضان بالإشرف يومياً على مائدة الإفطار في حيه بعد أن يعود من دوامه في الحرس الوطني. يواصل الليل بالنهار ليؤمن حياة كريمة للكثير من الأسر المتعففة الجائعة بفضل علاقاته و إخلاصه.

     إن الجميل أسعد بن محمد الدايل يقدم لنا درساً عظيماً في الصبر و الكفاح. في الجدية و المثابرة. أعرف الكثيرين ممن ابتلاهم الله بما هو أقل بكثير مما تعرض له أسعد لكنهم يئسوا واستغنوا عن أحلامهم. أذعنوا لحزنهم ورضخوا لإحباطهم.

     ثمة مسؤولية على عاتقنا جميعاً تتمثل في إشاعة التجارب المضيئة كالتي يجسدها هذا النبيل وزوجته لندرك (إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه) و أننا وحدنا من نصنع نهايتنا. فما دمنا على قيد الحياة مازال بوسعنا أن ننير ونستنير و أن ننجح و نفلح.

     لو كان أسعد في مكان آخر في هذا العالم لحظي بتقارير تلفزيونية مصورة ولقاءات صحفية مطولة و حوارات إذاعية ممولة. فنحن للأسف نتقن الإهمال ولا نجيد الإلهام. نتجاهل نماذجنا المشرقة ونستذكر النماذج السطحية التي لا تجيد إلا صناعة السذاجة و التفاهة.

     مجتمعاتنا بأمس الحاجة إلى إبراز هذه الشخصيات عرفاناً و أمتناناً لما قدموه، واستثمارها في التصدي للإحباط الذي بدأ يستفحل في أعماقنا صغاراً أو كباراً.

     إن من يرى ابتسامة أسعد محمد الدايل سيحسبه أسعد رجل في الرياض بينما يعد من أكثر أبناء الرياض ألماً. نحن من نقرر مصائرنا….. هل نكون سعداء أم تعساء مهما واجهتنا من ظروف ولنا في أبي عثمان أسوة حسنة.



من كتاب ٧:٤٦م / عبدالله المغلوث

الأربعاء، 11 مارس 2015

حرائق لا ترى

            اشترط أستاذ مادة علم الاجتماع في جامعة ماليزية على طلابه إسعاد إنسان واحد طوال أشهر مدة الفصل الدراسي، للحصول على درجة كاملة في مادته، وفرض الأستاذ الماليزي على طلبته الثلاثين أن يكون هذا الإنسان خارج محيط أسرته و أن يقدم عرضاً مرئياً على ما قام به في نهاية الفصل آمام زملائه. لم يكتف الأستاذ بهذه المبادرة بل اتفق مع شركة ماليزية خاصة لرعايتها عبر تكريم ١٠ مبادرات بما يعادل ألف دولار أمريكي.

            في نهاية الفصل الدراسي نجح الطلاب الثلاثون بالحصول على درجة كاملة، لكن أختار زملاءهم بالتصويت أفضل ١٠ مبادرات بعد أن قدم الجميع عروضهم على مسرح الجامعة، وحضرها آباء و أمهات الطلبة الموجودين في كوالالمبور.

           نشرت هذه المبادرات الإنسانية أجواء مفعمة بالمفاجآت و السعادة في ماليزيا قبل عامين، فالجميع كان يحاول أن يقدم عملاً إنسانياً مختلفاً يرسم السعادة على محيّا غيره. لقد قام طالب ماليزي وهو أحد الفائزين العشرة، بوضع هدية صغيرة يومياً أمام باب شقة زميله في سكن الجامعة وهو هندي مسلم، ابتعثه والده لدراسة الطب في ماليزيا، اختار الطالب هذا الطالبَ تحديداً؛ لانه شعر بآنه لا يمتلك أصدقاء او ابتسامة طوال مجاورته له لنحو عام، كان الطالب الهندي لا يتحدث مع أحد ولا أحد يتحدث معه، ويبدو حزيناً و بائساً مما جعل زميله الطالب الماليزي يرى انه الشخص المناسب للعمل على إسعاده، أول هدية كانت رسالة صغيرة وضعها تحت باب شقته كتبها على جهاز الكمبيوتر في الجامعة دون توقيع (كنت أتطلع صغيراً إلى أن اصبح طبيباً مثلك، لكنني ضعيف في مواد العلوم، إن الله رزقك ذكاء ستسهم عبره بإسعاد البشرية). في اليوم التالي أشترى الطالب الماليزي قبعة تقليدية ماليزية ووضعها خلف الباب ومعها رسالة ( أتمنى أن تنال قبولك هذه القبعة ). في المساء شاهد الطالب الماليزي زميله الهندي يعتمر القبعة ويرتدي ابتسامة لم يتصفحها في وجهه من قبل، ليس ذلك فحسب بل شاهد في حسابه في الفيس بوك صورة ضوئيه للرسالة الأولى، التي كتبها له، و أخرى للقبعة ، التي وضعها أمام باب منزله، و أجمل ما رأى هو تعليق والد طالب الطب الهندي في الفيس بوك على صورة رسالته، و الذي قال فيه : (حتى زملاؤك في الجامعة يرونك طبيباً حاذقاً، لا تخذلهم و استمر). دفع هذا التعليق الطالب الماليزي على الإستمرار في الكتابة و تقديم الهدايا العينية الصغيرة إلى زميله يومياً دون أن يكشف عن هويته، كانت ابتسامة الطالب الهندي تكبر كل يوم، وصفحته في الفيس بوك وتويتر تزدحم بالأصدقاء و الأسئلة: (ماذا ستحصل اليوم؟) ، (لا تتأخر... نريد أن نعرف ماهي الهدية الجديدة؟)). تغيرت حياة الطالب الهندي تماماً، تحول من انطوائي و حزين إلى مبتسم و اجتماعي بفضل زميله الماليزي. بعد شهرين من الهدايا و الرسائل أصبح الطالب الهندي حديث الجامعة، التي طلبت منه أن يروي تجربته مع هذه الهدايا في لقاء اجتماعي مع الطلبة، تحدث الطالب الهندي أمام زملائه عن هذه الهدية و كانت المفاجأة عندما أخبر الحضور بأن الرسالة الاولى، التي تلقاها جعلته يعدل عن قراره في الإنصرف عن دراسة الطب و يتجاوز الصعوبات و التحديات الأكاديمية و الثقافية التي كان يتعرض لها.

             لعب الطالب الماليزي، محمد شريف، دوراً محورياً في حياة هذا الطالب بفضل عمل صغير قام به. سيصبح الطالب الهندي طبيباً يوماً ما وسينقذ حياة العشرات و الفضل بعد الله لمن ربت على كتفه برسالة حانية.

            أجتاز الطالب الماليزي مادة علم الاجتماع، ولكن مازال مرتبطاً بإسعاد شخص كل فصل دراسي، بعد أن لمس الأثر الذي تركه، اعتاد قبل أن يخلد إلى الفراش أن يكتب رسالة أو يغلف هدية. أتفق محمد مع شركة أجهرة إلكترونيه لتحول مشروعه اليومي إلى عمل مؤسسي يسهل في استدامة المشروع و استقطاب متطوعين يرسمون السعادة في أرجاء ماليزيا.

         أن هذه المبادرة التي ننتظر من مدارسنا و جامعاتنا أن تقوم بستثمارها؛ أثرها لا يغادر مع خروجنا من مبانيها بل يخرج معنا و يؤثر على محيطنا.

          حولنا الكثير ممن يحتاجون إلى رسالة لطيفة أو لمسة حانية في هذا العالم المزدحم بالأحزان، لكن القليل منا من يقوم بذلك.

          لو قامت مدارسنا و جامعاتنا بستثمار التجربة الماليزية البسيطة لأحرزنا سعادة ورسمنا ابتسامة في مجتماعتنا المثخنه بالجراح. بوسعنا أن نغير في مجتماعتنا وننهض بها بمبادرات صغيره للغاية، لكننا نتجاهل حجم تأثيرنا و أثرنا. لنبدأ من اليوم مشروع إسعاد شخص كل أسبوع، الموضوع لا يحتاج إلى مجهود خارق، ربما تكون رسالة نبعثها إلى غريب أو قريب، أو هدية صغيره نضعها على طاولة زميل أو موظف، تذكروا أن هناك الكثير من الحرائق التي نتشب في صدور من حولنا، و تتطلب إلى إطفائي يخمدها بابتسامة أو مبادرة ايجابية صغيره اصغر مما نتخيل.


من كتاب : ٧:٤٦م  - عبدالله المغلوث


الخميس، 26 فبراير 2015

موعدي مع غائب

في كل صباح أجلس هنا لانتظرك
ولكنني أعلم بأنني لن أبقى وحيدة
حتى وإن تركتني للغياب فرائحتك هي معي
وصوتك المبحوح يلاحقني
وعيناك اللامبالية تترصدني !
وعيناي ! أتعلم مابها عيناي ؟
حائرة، تائهة ربما حزينة
و تلك القهوة و رائحتها العميقة
أرتشفها بنهم علها تقود عقلي إليك
..
كم هو مؤسف أن أظل هنا وأنتظر ؟
و ما هو الانتظار بالنسبة إليك ؟
بعثرة وقت لا أكثر ..
ولكنه بالنسبة لي، قدر يلازمني
وانتظر، ولا أعلم ما أنتظر
و أنتظر لربما ..
لا شيء
..
الفقد ! و البكاء هنا
سيكلفني عمراً أنا أعلم
ولكن ماعساي أفعل
فأنا حائرة بلا قلب
ف قلبي لم يكن يوماً لي
الفقد علمّني أن أحفظه
حتماً سأحفظه ..
 عندما أجده
الفقد ..
أحد تلك الحواس التي تترتب هنا وهناك
بل كالملامح
أشد تأثيراً
كالمرض
الذي لربما تناولناه مجبورين
يقتلنا ببطئ
..
لا شيء
كلما اقتربت أكثر
أجد اللاشيء
يلازمني ذاك
ولا أعلم أين السبيل
لا سبيل
لا طريق يبعدني عنه
..
الكتب
أجدني بينها
و أعلم يقيناً بأنني لن أُقرأ
لن ألُمس
من يريد تلك السطور المصففة
بترتيب مبالغ فيه
ومشاعر مخفية تحت عنوانٍ أحمق
و غلاف باهت كعيناي
نعم أصبحت باهته و قاحله
تبحث دائماً ولكنها لا تجد
ولن تجد