السبت، 14 مارس 2015

أسعد رجل في الرياض

     في عام 1987 تعرض الشاب أسعد بن محمد الدايل إلى حادث مروري مروع في الرياض وهو في طريقه إلى رفع الأذان منادياً لصلاة الفجر. أدى هذا الحادث إلى دخول المؤذن الشاب في غيبوبة طويلة جداً لم يعتقد أكثر المتفائلين أنه سيخرج منها حيًّا. لكن الله سبحانه وتعالى كان كريماً. كتب له عمراً جديداً. أفاق أسعد من الغيبوبة لكن استيقظت في جسده آلام ما زال يعاني منها حتى اللحظة. تعرض إلى شلل نصفي ومضاعفات وأمراض جعلته أسيراً للوجع المزمن.

     رغم كل الأنباء الحزينة التي هطلت على أسعد إلا أن ولادة ابنه عثمان في نفس الفترة التي تعرض فيها إلى الحادث خففت حدة ألامه و أعطته مساحة كبيرة للأمل، كان كلما شاهد ابتسامة ابنه الصغير عندما تضعه أمه بجواره على فراشه يشعر برغبة جامحة للخروج من المستشفى الذي رقد فيه عدة أشهر.

     كان عثمان الدافع الأول بعد الله سبحانه و تعالى تحسن حالته و قدرته على التحرر من السرير. خرج أسعد أخيراً على كرسي متحرك وحاول أن يستأنف دراسته في جامعة الإمام محمد بن سعود لكن ظروفه الصحية المعقدة ومرافق الجامعة غير المهيأة لاستقباله، وقتئذ، حالتا دون معانقته لحلمه الذي لم يتبق على وصوله إليه كثير.

    أستمد أسعد الكثير من الإصرار من زوجته الطبيبة التي آثرت أن تسخر حياتها لخدمة زوجها المنكوب، كان هذا الوفاء ضوءًا ينير طريقه المظلم وغير المعبد.

     أم عثمان كانت زوجة و طبيبة و ممرضه له في نفس الوقت ساهمت بشكل كبير في خروجه من الأزمة النفسية التي حاصرته خلال سنواته الأولى بعد الحادث.

      عاد أسعد إلى حياته الطبيعية رويدًا رويدًا حصل على وظيفة ضخ فيها الكثير من طاقته وأفكاره و حيويته. ظل يحلم ويمضي غير مكترث بالعوائق و الصعاب و التحديات التي تكتنف مسيرته. كان عثمان و أمه خير داعمين له للاستمرار في الأمل و العمل.

     لكن في وسط الأحلام تعرض أسعد إلى نكبة جديدة تتمثل في غرق ابنه الوحيد ووفاته في البحر أثناء إجازة صيفية على ساحل الخليج العربي.

     توفي ابنه وفلذة كبده الذي قد لا ينجب غيره فأحس بألم شديد هذه المرة ابتلع كل ما تبقى من أحلامه.

     الألم لم يجتح أسعد وحده بل كل أقاربه وعلى رأسهم زوجته و أم ابنهما الوحيد (عثمان)، اعتقد الجميع أن وفاة عثمان هي نهاية أسعد.

     لكنه كعادته استيقظ كطائر النورس من ركام الأحزان ليواصل ما بدأه من حلم و أمل.

     افتتح غير مشروع تجاري. وساهم في أكثر من مشروع خيري بكل ما أوتي من قوة وحماسة كأنه لم يتألم قط، ولم يعان أبداً رغم أنه يتجرع الألم و المعاناة يوميًا دون أن يقنط من رحمة الله.

     يقوم أسعد في رمضان بالإشرف يومياً على مائدة الإفطار في حيه بعد أن يعود من دوامه في الحرس الوطني. يواصل الليل بالنهار ليؤمن حياة كريمة للكثير من الأسر المتعففة الجائعة بفضل علاقاته و إخلاصه.

     إن الجميل أسعد بن محمد الدايل يقدم لنا درساً عظيماً في الصبر و الكفاح. في الجدية و المثابرة. أعرف الكثيرين ممن ابتلاهم الله بما هو أقل بكثير مما تعرض له أسعد لكنهم يئسوا واستغنوا عن أحلامهم. أذعنوا لحزنهم ورضخوا لإحباطهم.

     ثمة مسؤولية على عاتقنا جميعاً تتمثل في إشاعة التجارب المضيئة كالتي يجسدها هذا النبيل وزوجته لندرك (إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه) و أننا وحدنا من نصنع نهايتنا. فما دمنا على قيد الحياة مازال بوسعنا أن ننير ونستنير و أن ننجح و نفلح.

     لو كان أسعد في مكان آخر في هذا العالم لحظي بتقارير تلفزيونية مصورة ولقاءات صحفية مطولة و حوارات إذاعية ممولة. فنحن للأسف نتقن الإهمال ولا نجيد الإلهام. نتجاهل نماذجنا المشرقة ونستذكر النماذج السطحية التي لا تجيد إلا صناعة السذاجة و التفاهة.

     مجتمعاتنا بأمس الحاجة إلى إبراز هذه الشخصيات عرفاناً و أمتناناً لما قدموه، واستثمارها في التصدي للإحباط الذي بدأ يستفحل في أعماقنا صغاراً أو كباراً.

     إن من يرى ابتسامة أسعد محمد الدايل سيحسبه أسعد رجل في الرياض بينما يعد من أكثر أبناء الرياض ألماً. نحن من نقرر مصائرنا….. هل نكون سعداء أم تعساء مهما واجهتنا من ظروف ولنا في أبي عثمان أسوة حسنة.



من كتاب ٧:٤٦م / عبدالله المغلوث

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق